|
النسيانُ
..
أو
يتهـدّجُ الصوتُ بقـوّةِ الهذيان
النسيانُ
..
أو
يسـقـُطُ الصوتُ في الفراغِ المـُعدِّ
لهُ
حينما
يسـقـُطُ الصوتُ ...
(النسيانُ يـُكملُ
البياض)
بالكلامِ
الزائلِ
بالإيماءةِ
التائهة
يقـوّةِ الهذيانِ
ينحرفُ
مدارُ الجسـدِ
(المدارُ نسيانُ
الجهات)
الريحُ
لا تصلُ كاملةً
الريحُ
تخسـرُ شيئاً من جسـدِها وهي تعبرُ
الحدود
حينما
تسـقـُطُ الريحُ ...
وأنا
أهذي (أُطلـقُ أجنحةً تلـوّنُ المسافة)
تصـطكُّ
أسناني لحموضةٍ بعيدة ..
ولا أحتـجُّ
هذا
كلُّ ما يحدّدُني:
بعيـدٌ يفسـّرُ
المتاهةَ
نارٌ غيرُ نافعـةٍ
كهوفٌ تستـدرجُ
الكائناتِ إلى زوالـِها
وأنا
أهذي
أهرولُ كالنهرِ
إلى المصبّ
محاولاً تذكـّـرَ
هيأةِ المنابعِ
(المصبُّ نسيانُ
النهرِ)
أشيرُ
إلى ذئبٍ يحاصرُ فصلَ الصيفِ
ومن
بينِ أصابعي
تتسـاقطُ
أسماءُ الإشارة:
هذا، ذلك، تلك،
هؤلاء ..
أشير
بأصابعي كلـِّها
باللغةِ كلـِّها
بأقواسِ
الظهيـرةِ ومنحنياتـِها الصـمّاء
ولا
يعبأ الهواءُ
بل أهذي:
هل النسيانُ غيابٌ
أم حضـورٌ معتمٌ؟
*
*
*
في
ظهيرةٍ أخـرى ..
أسمعُ
الغبارَ يتلو أسمائي
وأنا
منشـغلٌ عنه بقراءةِ الشارعِ
المؤدي إلى
الشـارعِ الآخـر
لم
تكـنْ المدينةُ زوجتي
ولم
أكـنْ حارسَ ذكـرياتِها
لذلك
سقطـتْ في النسيان
وسقطـتُ
في زحامِ السنةِ الماضية
*
*
*
هل
أعلنُ للرماد القديم تكراري؟
أم
أبتهـجُ لوقاحـةٍ طارئـةٍ مشـطـّتْ
بقايا الكلام؟
وهاأنا
غادرتُ ساحلاً كسـولاً، مزدحماً
بالغرقى، نظـّفـتُ الهواءَ من
أنينـِهم، ويديّ من الخيوطِ الصفراءِ
التي جدلـَتـْها استغـاثاتـُهم،
عنـدَها رأيتُ معدنَ التكـوينِ يومـضُ
في الفـراغِ الكبيـرِ، وانسكبَ
الهباءُ على رؤوسِ النسـوةِ في
الشارعِ المؤدي إلى الشارعِ الآخرِ
......
للطفولةِ
أنْ تـُكملَ المشهدَ بأكاذيبَ
ناصعــةٍ، وللنارِ صـلاتُها،
للمنفـيّ نسيانـُه ومزاميرُه: (أيـّتـُها
المدينةُ، لا تحتضني الرمادَ
بأمومتِكِ الأليفةِ، فالقادمونَ من
صلاةِ النارِ يحملون اسمـَكِ) عجولـةً
كنتِ تتدحـرجينَ من عيـوننا إلى مرايا
الوهمِ، وحيدةَ تـُكاثرينَ النخيلَ،
سمـاؤكِ زجاحيـّةٌ وأنهارُكِ مخبوءةٌ
تحت البلاطاتِ والسجاجيدِ، جهاتُكِ
العمياءُ تنبشُ الخرائبَ بحثاَ عن
جنوبٍِ أبديٍّ يختصرُ الخليقةَ في
رعشـةٍ غامضــة ..
(الجنوبُ نسيانُ
الأرضِ)
وحدَه
كان يومئُ، وأنا مأخوذٌ بالفتكِ،
بإيماءةِ السـلالةِ، مأخوذٌ
بالصيحةِ، عجولاً كنتُ أنسجُ الحاضرَ
شـرفةً شـرفةً، وأسقطُ في زحامِ
السنةِ الماضية، مهووساً بخرقةٍ
حمراءَ تومئُ وأنا عجولٌ، أطـرقُ
صفائحَ لامعـةً،
يا
لخيبةِ النار ...
*
*
*
صـمـتٌ
..
أُلقي
إليه بخزاناتِ الذهبِ التي ورثتـُها
عن طفولتي
ألقي
إليه بظلالٍ خفيضـةٍ كنتُ أرقـُبُ
نمـوّها
ألقي
إليه بساحلٍ وحشـيٍّ عجنتُه بيديّ
طينةً طينةً
صـمـتٌ
..
جديرٌ
بأنْ يدفـُنَ موتايَ
وأنْ
يداعبَ أحيائي
وأنا
قادرٌ على المضيّ بعيـداً
قادرٌ
على التماهي مع تركاتي
النائمةِ
في النسيان
*
*
*
خطواتٌ
لا تشيرُ إلى كذبةِ القادمِ، خطواتٌ
ومسافةٌ تختصرُ الوهمَ، وهمٌ يختصرُ
الخليقةَ .. هذه الجنـةُ قدْ
أزلـِفـَتْ، وأنا حاملٌ أشلاءَ
أحفادي، لا صراخ يؤنسني، لا فوانيسَ
لديّ ولا شرفات، في يدي مفتاحٌ لا
يفتحُ ساحلاً، بل يشقّ مجرىً في رمال
النسيان، قلْها، قلْها وامضِ، البحرُ
وحيدٌ وأنتَ متـّهمٌ بترويج الصحراء،
قلْها، أغلقْ دائرةَ البياضِ، أنتَ
هناك .. أنت
هكذا
سـَقـَطَ الهواءُ ثقيلاً على جمجمةِ
الصيـّادِ وهو يراوغُ مياهَ الطفولةِ،
أحكمَ يديهِ على ذكرياتٍ بدأتْ
تتـناثرُ مخلخِلةً توازنَ الظلِّ
والمنفى، وانسابتْ أحلامٌ مزمنـةٌ من
فجواتِ الخديعةِ، فارتعشـتْ واجهةُ
البحرِ بمراكبَ أكثرَ بياضاً من عري
الفتاة المجنونةِ، تلك التي أوقفتْ
الصيادينَ عـدّةَ مراتٍ عن البحرِ ..
إذنْ سيمسـكُ الحشدُ بأذيالِ الظلّ
الهاربِ وتنشغلُ المراكبُ بقراءةِ
مذكـّراتِ الغرقى، ينشغلُ الهواءُ
الثقيلُ باستعادةِ النسيانِ
وتـدبـّرِ الأمرِ لحراسةِ الأفقِ من
مـُشـرّدينَ يخلطونَ أحزانـَهم بما
يسـّـاقطُ من الشمسِ، قيلَ إنـّهم
يريدونَ تعتيمَ الظهيرةِ بفوانيسـِهم
الرثـّة، وهم - كما يـُروى – جاءوا من
حجرٍ مصهـورٍ بدمِ الصدفةِ، وشـقـّوا
طريقـَهم في الصفرةِ المائلةِ للفتكِ،
يضحكون كثيراً - كما يـُروى – من فرطِ
لـذّةِ قيامـِهم من الحجر، هل
سنستمـرّ باقتفاء أثرِ اللذةِ على
ثيابـِهم؟ رغمَ أنّ عريـَهم يفتنُ
النهرَ والحشرات، ويضـمّخُ رملَ
القيامة بالموسيقى .. مسافةٌ تختصـرُ
الوهمَ، وهمٌ يختصـرُ الخليقةَ، وأنتَ
هناكَ .. أنت
*
*
*
هل
هناك منْ يتكلـّمُ؟
لا
تجرؤْ على الدخول ..
أنا
حارسُ الصمتِ
إنْ
كان لديكَ نـذرٌ ..
فاغسلْ بدمـِهِ
نعليك
واخلع ذاكـرتَكَ
واستأذنْ
مولاكَ بالدخولِ
وانسَ الدخــول
أنا
حارسُ الصمتِ
يحرسـُـني
نسياني الأبيض
وتعـاويذي
السـوداء
تركـتُ
بعضـَها في المنزل
لئلا
يتذكّـرَني حائطٌ هامشيٌّ
أخافُ
عليهِ من الندم
وأرسلتُ
تعويذةً زائفةً
إلى
امرأةٍ لم تدركْ أهميـةَ أخطـائي
أيّتـُها
المدينة .....
ولن
أصلَ إلى الدميةِ النائمةِ قربَ
طفولتي، لن أتلمـّسَ بهاءَ الجنـّةِ
المحاورةِ لأحلامي .. دائماً هناك ما
يتساقطُ على سطحِ المنزلِ، هناك ما
يذبلُ في كفّ القابلةِ، هناك ما ينحني
لفتنة القتيل ..
أيـّتـُها
البلهاءُ يا حياتي ..!
الوقتُ
مهملٌ ..
كنتُ
نائماً، واستيقظتُ فوجدتُ أنفاسي
تلامسُ الكهولةَ، لم أكنْ في غرفتي،
لكنّ العراءَ أحاطـني بقلاعٍ
ذهبيـّةٍ، والسـماءُ تدلّتْ وانهالتْ
أملاحـُها على أصابعي ..
كنتُ
نائماً واللغةُ تلهثُ من اللذة،
كأنني
لم أكنْ نائماً ..
*
*
*
النسيانُ
..
أو يتنـّفسُ
الأحفادُ لهاثَ اللغة
النسيانُ
..
أو تغـطُّ
الطبيعةُ في نـومِ شيطانيّ
النسيانُ
..
أو الصمتُ يحتضـنُ
المادّةَ وصورتـَها
حيث
الوجوهُ تتلاشى في نارٍ رؤومٍ
الوجوهُ
تنتظـرُ المحوَ بشـغفٍ طفوليّ
الوجوهُ
تتطـلـّعُ في مرآةِ النسيان
(النسيانُ خبيئةُ
المرآة)
وإذْ
أستعيدُ ماضياً مفتـرضاً
اوشـّيهِ
بحماقاتٍ مفتـرضة
وأندمُ أيضاً ..
ثـمّ أكملُ نـدمي
بالنسيان
رفحاء،
ربيع 1993
|