|
|||||||
|
|
|
|||||
|
|
|||||||
|
لستُ
مطمئناً لما يحدُثُ الأبواقُ
تلتحمُ أسفلَ الغابة، والسلالاتُ موجٌ
معدنيٌّ يتلاطمُ أسفلَ الجدارِ، شـهوةٌ لها
رنينُ الذهبِ حين يجلدُه الأطفالُ بسياطِ
الدهشةِ، شهوةٌ نائمةٌ كأنـّها تتسـتّرُ
على فضيحةٍ لم يشعـرْ بها أحدٌ .. ألهذا
تـُطيلُ إطراقتـَها كلـّما حدّثتـُها عن
غابةٍ تهيـّئُ نفسـَها منذُ قرونٍ لرقصـةٍ
وحشيـّةٍ ترمـّمُ بها هندسةَ الأخطاء ؟
ألهذا هي نائمةٌ ورنينُها يجلدُ هواءَ
المنفيـّينَ ويندسُّ بين الاسمِ ومعناه ؟
ألهذا لا أستطيعُ الجزمَ بمصيرِ أخطائي ؟ كمْ
حاولتُ ترويضـَها ! أمزجُها
بفتاتِ الذكرى، ثمّ أدلقـُها أسفلَ البابِ،
أو أصبغـُها بحنـّاءِ الطفولةِ، وأرسـلُها
إلى أعيادٍ مراهقةٍ خارجَ السـورِ، أغضبُ
أحياناً، فأجلدُها بهشيمِ الأعوامِ
المتسـاقطةِ قربي، أو أناشدُها بما بيننا من
فجيعةٍ أن تتنازلَ عن فوضاها وتسـتسـلمَ
ليدي وقانونـِها الأصليّ –تفسير الحركةِ
بالسكون- وأشكّ
في كلِّ هذا .. في
حوارِ الليلِ العاطلِ والنهارِ العاطلِ، في
انهماكِ السلالاتِ، في المسافةِ الشاغرةِ
المهيـّأةِ لنومِ الأخطاءِ، في غبارٍ يخنقُ
أبناءَه، في الشكّ في كلّ هذا ... والحواسُّ ؟
هل أنمو داخـلـَها أم تنمو خارجي ؟ وفي
الحالتينِ ثمـّةَ ما يدعو إلى الشكّ .. تلك
اللعثمةُ لو أستردُّها من متحفِ الطفولةِ،
لاستغنيتُ عن هذه المتعةِ الكسـولِ، متعةِ
التحديقِ العاطلِ في نهارٍ عاطلٍ، ألتفتُ
إلى المنعطفِ القادمِ، حيثُ تنتظـرُني
حواسـي نائمةً في صندوقٍ بأقفالٍ بيضاءَ،
أفتحـُه لأجدَ كلَّ ما سقطَ سهواً أسفلَ
الطريق: كذبةَ
الجسد؛ أنثى، نظراتٍ مبلّلـةً كأنـّها ثلجٌ
يحوكُ مؤامرةً (ثلجٌ يرمـّمُ بالأخطـاءِ
أنوثـةَ المعنى)، هذا اليقينُ الهشُّ بم
أرتـقُه ؟ اللغةُ تستنفـرُ جيوشـَها،
والصمتُ أعزلُ .. ينحسـرُ في بياضـِه ..
ويستنجدُ بالظلّ .. بياضُ الجثةِ أو بياضُ
الحائطِ أو الشراشفُ التي تخلـّتْ عن
مشاكساتـِها ... كيف
أغلقُ ثقوبَ هشاشتي ؟ نائمٌ في الغوايةِ (أو
غوايةٌ نائمـةٌ)، أيـّتـُها اللغةُ أيَّ
فحولـةٍ ترتجينها في هذه المسـاحةِ العزلاء
؟ ما
جدوى البياض ؟ الكتابةُ
ليستْ بريئـةً، لكنـّها تبـرّرُ أخطاءَها
بالإحالةِ إلى فضـاءٍ مهملٍ أسفلَ الفضاءِ،
وهو الفضاءُ الذي هـرّبتُ إليهِ حواسـّي
لعلّها تتعـرّفُ إليّ، كنتُ هناك متلفـّعاً
بكهـولةٍ مسـتعارةٍ، ملفوفاً بدماملَ
مزمنةٍ، فأنكرتْ الحواسُّ أبـوّتي .. من
البريءُ إذنْ ؟ يدي
المولعـةُ بتدجينِ الأخطـاءِ، كأنـّها ملكٌ
يـُفهرسُ تيجانـَه، أو سائسٌ يتكتـّمُ على
الصهيل، يدي ! كلُّ ما يفلتُ من الحواسِّ
ترمي عليهِ شـِباكَ الوظيفةِ، هل بوسعـِها
إذنْ أن تشـيرَ إلى الغيابِ ؟ أنْ تلمسَ
جوهـرَه، الجوهـرَ الذي يعيدُ الأملَ إلى
حيـّـزِ التذكـّر ؟ .. هل
الذهبُ الذي بعثـرَتـْه عاصفـةٌ قديمةٌ، هو
صوابـُنا الوحيد ؟ وهذه الخرائطُ
المدجـّـنةُ .. أهي نثارُ عاصفـةٍ واحدة ؟
منذُ زمنٍ بعيدٍ والتاريخُ جامحٌ كأنـّه يدٌ
مولعةٌ بالتنقيبِ عن صوابِ الذهبِ، المكانُ
يحـدُّهُ جنـوبٌ واحدٌ وثلاثُ جهاتٍ، لهذا
يحنُّ إلى خارجـِه .. حيثُ الساحلُ اكتمالُ
البحرِ، والأفـُقُ حنينُ الأرضِ ، والغابةُ
سياجٌ يحرسُ النبوءةَ لئلا تسيحَ خارجَ
وقتـِها .. الجهاتُ
أحكمتْ كمائنـَها والمكانُ
الجاثي مثلَ فريسـةٍ يصغي إلى الجنوبِ وهو
يقـصُّ عليه حكايةً عن عاصفـةٍ عبثتْ
بالأرجاءِ ... الأخطاءُ أيـُّها المكانُ،
الأخطاءُ حاصـرَتْـكَ بمدائحـِها، ورمتْ
إليكَ بحشدٍ من المنفيـّينَ، كأنـّكَ وريثُ
النفي، الأخطاءُ أيـُّها المكانُ، آلةُ
السلالاتِ في عبورِها الغامضِ على جسـدِكَ،
كأنكَ عجزُ العابرِ عن التأويلِ، هل أنتَ
جديرٌ بهذه الأخطاءِ أيـُّها المكانُ ؟ هل
المنفيـّونَ جديرونَ بك ؟ (وأضيفُ
أنا: هل
الجنـوبُ بريءٌ وهو
يحـرّضُ المكانَ ضـدّ جهاته ؟ هل
الكنوزُ القديمةُ صوابـُنا
الوحيد ؟) الأسئلةُ
ذاتـُها تعمـّقُ انكساراتِ المعنى، فضيحةٌ
تندلقُ من الثقوبِ الكثيـرةِ في غشاءِ
اليقينِ، كأنـّها ذهبٌ يندلقُ من جيوبِ
لـصِّ في شارعٍ عامٍّ ... وكأنـّني حشـدُ
بنـّائينَ، ونحـّاتينَ، وحـدّادينَ،
وصبـّاغينَ مشغولٌ بالترميمِ والرتقِ
والتلميعِ ... ماذا
لو انهدمَ المكانُ ؟ ماذا
لو تصـدّعتْ أبراجـُهُ ؟ أبراجٌ
كثيرةٌ تتمايلُ بين يديّ، أسندُها بتعاويذَ
زائفةٍ، أسندُها بالبخارِ الأزليّ
المتصاعدِ من حرائقي، أسندُها بمعادنِ
الشهوةِ المدفونةِ أسفلَ المناجمِ. أبراجٌ
المكانِ آيلةٌ للزوالِ، لولا القـوّةُ
الخارقةُ لأصابعي وهي تلهجُ بتعاويذِها،
أبراجٌ أقامـَها محاربونَ أسطوريـّونَ
ينامونَ الآنَ في رمادِ البطولاتِ،
يتدثـّرونَ بأمجادٍ متغضـّنةٍ كجلودِ
الطرائدِ، إنـّها الأبراجُ ذاتـُها التي
ترصـُدُ أخطـاءَ المكانِ، بالحواسِّ
ذاتـِها التي أنكرتْ أبـوّتي، إيهِ
يا حواسُّ،
يا
هشاشةُ،
يا
غبارُ،
يا شكُّ،
يا كسـلُ، لحظةً،
أيـّتـُها الحواسُّ، تعاليْ
إلى معاهدةٍ نتقاسمُ بها غنائمَ الصمتِ
وفتنتـَه البيضــاء .. إذنْ تدافعي
يا فضائحُ في سباقٍ زاخرٍ، حيثُ ينتسبُ كلٌّ
إلى عطالتـِه (الشتاءُ إلى النومِ، والربيعِ
إلى النسيانِ، والصيفُ إلى الضجرِ،
والخريفُ إلى الانتظارِ، والشتاءُ إلى ....)
حيثُ أنتسبُ إلى هذيانٍ ماكـرٍ يرشـقُ
الفصولَ بسهامِ خديعتـِه ليوهمـَها بالصراخ
.. ولنفترضْ
أنـّها تصـرخُ .. ليستْ
سوى تعاقبِ الصرخةِ وأصدائـِها... إنـّها حين
تصرخُ - مخدوعةً بالهذيانِ- لا تنتظـرُ
مغيثاً ولا ترشدُ الظلامَ إلى أجراسـِه،
محضُ غفلةٍ تدفعني إلى التلصـّصِ على
الخرائطِ والألغازِ، دافعاً هشيمَ الأخطاءِ
إلى الغابةِ، حيثُ
أقفُ هناك .. أسفلَ
الوقتِ، في
الحمـّى، في
ارتجافِ يدي، في
المهمـَلِ من سـِيـَرِ اللصوص، في
سهوِ الرحلة ... أنتظرُ
أنْ تعرفـَني حواسـّي .. لنقتســمَ
الفتنــــة
رفحاء،
خريف 1993
|